ابن عجيبة
61
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وعن أنس : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يحرس ، حتى نزلت ، فأخرج رأسه من قبة أدم ، فقال : « انصرفوا يا أيها الناس ؛ فقد عصمني اللّه من الناس » « 1 » . وظاهر الآية يوجب تبليغ جميع ما أنزل اللّه . ولعل المراد تبليغ ما يتعلق به مصالح العباد ، وقصد بإنزاله اطلاعهم عليه ، فإن من الأسرار الإلهية ما يحرم إفشاؤه . قاله البيضاوي . الإشارة : قال الورتجبي : أمره بإبلاغ ما أنزل إليه من الذي يتعلق بأحكام العبودية ، ولم يأمرهم بأنه يعرفهم أسرار ما بينه وبين اللّه ، وما بين اللّه وبين أنبيائه وأوليائه . ثم قال : ( واللّه يعصمك ) أي : يعصمك أن يوقعك أحد في التمويه والغلط والحيل في طريقك إلىّ ، وهذا لكونه مختارا بالرسالة ، وحقائق الرسالة في الرسول : ظهور أنوار الربوبية في قلبه ، وبيان أحكام العبودية في سرّه . وقال الأستاذ ، يعنى القشيري : يقال في قوله : ( واللّه يعصمك من الناس ) أي : حتى لا تغرق في بحر التوهم ، بل تشاهدهم كما هم ؛ وجودا بين طرفي العدم . انتهى نقل الورتجبي . وقال القشيري أيضا : لا تكتم شيئا مما أوحينا إليك ملاحظة غير ، إذ لا غير في التحقيق إلا رسوما موضوعة ، أحكام القدرة عليها جارية . ثم قال : ( واللّه يعصمك ) أي : يعصم ظاهرك من أن يمسّك من أذاهم شئ ، فلم يتسلط عليه بعد هذا عدو ، أي : وما وقع له من الشج وغيره كان قبل ذلك ، وقيل : المراد عصمته من القتل ، ثم قال : ونصون سرّك عنهم ، حتى لا يقع على إحساسهم . وقال شيخنا السلمى : قيل : يعصمك منهم أن يكون منك إليهم التفات ، أو يكون لك بهم اشتغال . انتهى . قلت : صدق الباطن ، لا ينفك عنه من أول الأمر ؛ لأنه من ضروريات كونه رسول اللّه باللّه ، وهذا قد يتحقق للمأذون من أتباعه ، فضلا عنه ، والظاهر ما صدر به من عصمة ظاهره ، أو أن يقع خلل في طريقه ؛ بتمويه أو غلط أو حيلة ، كما أشار إليه الورتجبي . فلله دره . قاله المحشى الفاسي . واللّه تعالى أعلم . ثم أبطل دين من حاد عن رسالة نبيه ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 68 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 68 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد : يا أَهْلَ الْكِتابِ ؛ اليهود والنصارى ، لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ أي : لستم على دين يعتد به ، حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ على لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن إقامتها الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم والإذعان لحكمه ، فإن الكتب الإلهية بأسرها ، أمرت بالإيمان والإذعان ، لمن صدقته المعجزة ، وهي ناطقة بوجوب الطاعة له ، والمراد بإقامة الكتابين : إقامة أصولهما وما لم ينسخ من فروعهما ، لا جميعهما . واللّه تعالى أعلم .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في ( التفسير ، سورة المائدة ) والحاكم في ( التفسير 2 / 313 ) ، وصححه ، ووافقه الذهبي ، كما أخرجه البيهقي في الدلائل ( باب قول اللّه عز وجل : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ) من حديث السيدة عائشة رضى اللّه عنها .